كرونيك

أيها الشباب .. لا تنسحبوا من النقاش حول الميراث

 

صلاح الدين الجورشي

لأول مرة يقرر مسؤول سياسي في أعلى مستوى أن يتحمل مسؤولية الدفع نحو تعديل المنظومة المتعلقة بالمواريث، من أجل تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين. حتى الرئيس بورقيبة فكر في الأمر ثم تراجع. لكن هذه المرة أعلن رئيس الدولة الباجي قايد السبسي في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة عيد المرأة أنه ينوي خوض المغامرة إلى الآخر. قد ينجح في ذلك وقد يفشل، لأن القرار هذه المرة ليس بيد رئيس قوي لا ترد أوامره ونواهيه وإنما تونس اليوم تعيش مرحلة انتقال ديمقراطي، حيث لا يمكن تغيير التشريعات إلا من خلال برلمان صعب الانقياد.

لم يمر هذا الإعلان دون أن يحدث رجة قوية في مختلف الأوساط، حيث تباينت ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض ومتوجس ومتردد. وتعتبر هذه الحالة طبيعية، لأن المسألة لا تتعلق فقط بمصالح مادية تمس معظم العائلات، وإنما أيضا بحكم ارتباط توزيع الميراث بنصوص دينية قطعية الورود وواضحة الدلالة ” وللذكر مثل حظ الأنثيين “.

بقطع النظر عن العوامل السياسية التي يمكن أن تقف وراء القرار الرئاسي وأيضا وراء ردود الفعل المسجلة حتى الآن، فإن ما يهمنا في موقع ” شبيبة ” هو البحث عن مشاركة الشابات والشبان في هذا النقاش المجتمعي المرشح للتوسع واكتساب مزيد من الحرارة والاشتباك.

لا يجوز للشباب بجنسيه أن يبقى على الحياد، وأن يكتف بالمشاهدة والاستماع. الموضوع المطروح حاليا يهمهم بدرجة مباشرة، خاصة الفتيات اللاتي لهن مصلحة في هذا الأمر، وقد يحدد ذلك جزء من المستقبل الاجتماعي للعديد منهن. كما أن المسائل ذات البعد الديني هي أيضا مسائل استراتيجية، ولا يجوز التعامل معها بخفة وتجاهل. الدين جزء أساسي من مكونات الهوية الفردية والجماعية. والذي يستخف بالدين فإنه يستخف بهويته، ويضع مصيره بيد غيره يتدخل فيه كما يشاء وبدون إذنه.

إنها دعوة للشباب لكي ينخرطوا بجدية وبكثافة في مناقشة هذا الموضوع المتعلق بالمساواة في الإرث، هل يعتبرونه مناورة سياسية لأغراض انتخابوية ؟ أم أن الأمر في غاية من الجدية ويتطلب منهم ومنهن مشاركة فاعلة في بلورة موقف عام مساند أو معارض ؟.

هل مسألة الميراث قضية عقائدية لا يجوز الاقتراب منها خوفا من الوقوع في الكفر أو ارتكاب إحدى المحرمات ؟ أم أن الأمر يتعلق بممارسة اجتماعية واقتصادية قابلة للاجتهاد والمراجعة في ضوء المتغيرات وتحقيقا لمقاصد الشريعة ؟.

ثم هل أن التعجيل بمراجعة نظام المواريث اختيار صائب فرضته مستجدات لا يمكن ردها ؟ أم أن الأمر يقتضي التريث وبالتالي يمكن تأجيله وعدم إدراجه ضمن أولويات هذه المرحلة ؟.

مهما تكن ردود الفعل لهذا الطرف أو ذاك، فالمهم هو الوعي بما يحدث حولك وما يتخذ باسمك من قرارات ورسم سياسات. غيابك عن المشهد لن يعطيك الشرعية لكي تحتج وترفض، لأنك ستجد نفسك رغم أنفك مستسلما ومفعولا بك. أعط رأيك . تحمل مسؤولياتك. شارك في النقاش العام . تسلح بالحد الأدنى من المعرفة وابني موقفك ودافع عنه بحرارة. لا تهتم بالنتيجة النهائية التي ستفرزها موازين القوى، فالأهم بالنسبة لك كشاب أو كشابة هو حجم الوعي الذي اكتسبته في هذه المعركة ، وأيضا الموقف الذي ستبنيه بنفسك وبإرادتك وفي محطة من محطات حياتك وتجربتك المجتمعية. إذ بذلك تكون قد ساهمت بشكل فعال في بناء شخصيتك كمواطن مستقل وفاعل.